ديناميكية الدفع والجذب: دورة العلاقات في اضطراب الشخصية الحدية

كتابة: د. إسراء عبدالرحمن تحرير: د. مروه عزت

"المصابون باضطراب الشخصية الحدّية يشبهون من يعاني من حروق الدرجة الثالثة التي تغطي 90٪ من جسده، وبسبب افتقادهم للجلد الانفعالي الواقي، فإنهم يشعرون بألم شديد حتى مع أقل لمسة أو تفاعل"

مارشا لينيهان


هل الشخصية الحدية فعلًا غير قادرة على الحب؟ قد يكون  هذا هو أحد أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا حول اضطراب الشخصية الحدّية، لكن الحقيقة أن المشكلة لا تكمن في القدرة على الحب، بل في شدة المشاعر وصعوبة تنظيمها. قد تمر العلاقات مع شخص يعاني من  اضطراب الشخصية الحدّية بدورات متكررة من حدة المشاعر والفتور، حيث تتداخل مشاعر القرب الشديد مع القلق والخوف من الهجر، مما يخلق نمطًا غير ثابت في العلاقة.

دورة العلاقات

يمتلك الكثير من  المصابين باضطراب الشخصية الحدّية صفات إنسانية عميقة مثل الشغف، والحساسية العالية، والدفء العاطفي، وغالبًا ما تكون هذه الصفات نفسها ما يجذب الآخرين إليهم في بداية العلاقة، فما سر تحوّل العلاقة مع الوقت من المشاعر العامرة بالدفء إلى التذبذب المبطن بالخوف؟

يحاول مفهوم دورة العلاقات تفسير حالة الدفع والجذب التي قد تظهر أحيانًا في بعض العلاقات التي تتضمن طرفًا مصابًا باضطراب الشخصية الحدية، لا باعتبارها قاعدة حتمية، بل كطريقة لفهم التعقيد العاطفي وصعوبة تنظيم المشاعر داخل العلاقة، وتتكون هذه الدورة من ست مراحل تلحق كل منها بالأخرى.

المرحلة الأولى: المثالية

في بداية العلاقة، يُرى الطرف الآخر بصورة مثالية، ويُنظر إليه كشخص استثنائي أو "مثالي"، مع شعور بتعلّق عاطفي سريع وقوي. قد يكون الانخراط في العلاقة مكثفًا للغاية، مع رغبة شديدة في القرب، وقضاء وقت طويل مع الطرف الآخر، وإظهار اهتمام زائد به، يشبه هذا كثيرًا "شهر العسل" حيث الحياة تبدو سعيدة ومثالية والشريك لا يعيبه شيء.


المرحلة الثانية: الخوف من الهجر

مع مرور الوقت، تبدأ مشاعر المثالية في التراجع، ويظهر في المقابل خوف عميق من الرفض أو الهجر. في هذه المرحلة، تصبح الحساسية تجاه التفاصيل الصغيرة مرتفعة، وقد تُفسَّر مواقف مثل التأخر في الرد أو انشغال الطرف الآخر على أنها رفض أو تقليل من الاهتمام، وقد يؤدي ذلك إلى ردود فعل انفعالية قوية، مع صعوبة في التهدئة أو في رؤية تفسيرات بديلة للموقف.


المرحلة الثالثة: اختبار العلاقة 

ومع تصاعد القلق، قد يلجأ الشخص إلى بعض  السلوكيات غير المباشرة لاختبار مدى اهتمام الطرف الآخر والتزامه بالعلاقة، في محاولة للحصول على الطمأنة والشعور بالأمان العاطفي. مثال على ذلك: التهديد بالرحيل عن العلاقة لاختبار تمسك الطرف الآخر، والمبالغة في التعبير عن الآلام الجسدية كمحاولة لجذب الاهتمام، أو إثارة غيرة الشريك بشكل ما. وهذه السلوكيات التي قد تبدو مُتلاعبة، هي في الحقيقة آليات دفاعية غير واعية يستخدمها الشخص للحصول على الطمأنة التي يحتاج إليها حتى تهدأ مشاعره المضطربة قليلًا.

المرحلة الرابعة: الانسحاب العاطفي


في هذه المرحلة، وعند الشعور بعدم الأمان، قد يبدأ الشخص في الانسحاب عاطفيًا أو إظهار قدر من البرود وتقليل التعبير عن المشاعر، كآلية دفاعية للحماية من الرفض أو الأذى العاطفي المُتوقّع. ومثال عليها اللجوء للردود المقتضبة، وتجنب التلامس الجسدي والتقاء العيون، والاكتفاء بالحوارات السطحية عن الحياة العامة دون التطرق لتفاصيل تخص مشاعر الشخص وأفكاره، وأيضًا الانغماس في العمل والصداقات للابتعاد عن الشريك.


المرحلة الخامسة: الدفع والجذب

تتسم هذه المرحلة بالتذبذب بين الاقتراب الشديد والانسحاب المفاجئ، نتيجة صراع داخلي بين الرغبة في القرب والخوف من الرفض أو الهجر. فقد يتمسك الشخص بالعلاقة بقوة في بعض اللحظات، ثم يبتعد أو يهدد بإنهائها في لحظات أخرى، في محاولة لحماية نفسه من الألم العاطفي المتوقع. وغالبًا ما يخلق هذا النمط حالة من عدم الاستقرار داخل العلاقة، ويؤثر على شعور الطرفين بالأمان والثبات العاطفي. فالرغبة في القُرب تدفع الشخص إلى إبداء الاهتمام وبذل الجهد في العطاء، والخوف من الهجر يغيّر الدفة فجأة إلى الرفض والخوف والتشكيك في الشريك، الذي يشعر كأنما يسير فوق حقل ألغام لا يعرف متى ينفجر. 

المرحلة السادسة: مرحلة الأزمة

إذا انتهت العلاقة، قد يمرّ الشخص بفترات من الانهيار العاطفي، تتضمن أفكارًا سلبية حادة تجاه الذات، وشعورًا بالذنب أو فقدان القيمة. وفي بعض الحالات، قد تظهر سلوكيات مؤذية للنفس أو أفكار انتحارية، خاصة مع الإحساس الشديد بالهجر أو الفقد. وفي المقابل، قد تحدث محاولات متكررة لإعادة التواصل أو إحياء العلاقة، في محاولة لاستعادة الارتباط العاطفي والتخفيف من مشاعر الفقد والألم.

قد يتم إعادة تدوير هذا النمط السابق، حيث قد يصل الطرفان إلى قدر من الاستقرار المؤقت، لكن سرعان ما يظهر محفّز جديد يؤدي إلى استجابات عاطفية قوية وسلوكيات اندفاعية شديدة 

عند هذه المرحلة، قد يعيد الشريك التفكير في العلاقة ويتخذ قرار الانفصال، أو قد يستمر فيها بسبب التعلّق العاطفي، أو لتداخل جوانب الحياة بين الطرفين مثل وجود أطفال، أو بسبب القلق من تبعات الانفصال وتأثيره على الطرف الآخر، وبذلك قد تستمر هذه الدورة في التكرار داخل العلاقة نفسها، أو تنتهي لتتكرر الأنماط ذاتها لاحقًا مع شريك عاطفي جديد.

الخروج إلى النور


من المهم إدراك أن الشخص المصاب باضطراب الشخصية الحدّية لا يتعمد إيذاء الطرف الآخر أو هدم العلاقة، ففي كثير من الأحيان يكون شديد النقد لذاته، ويلوم نفسه أكثر مما يلوم الآخرين، وهو جزء من معاناته مع هذا الاضطراب. ورغم التحديات التي قد تظهر في هذه العلاقات، إلا أن بناء علاقات أكثر استقرارًا يظل ممكنًا مع الوعي والدعم المناسبين.


كيف أساعد نفسي؟

إذا كنت تعاني من اضطراب الشخصية الحدية، قد يُسهم اللجوء إلى معالج نفسي متخصص في مساعدتك على فهم شدة الانفعالات وإدارتها، وهي من العوامل الأساسية التي تؤثر في أنماط العلاقات وجودة الحياة. وقد أثبتت الدراسات أن الالتزام بالعلاج المنظم، وخاصة العلاجات المثبتة بالدليل العلمي مثل العلاج الجدلي السلوكي (DBT)، يساعد العديد من الأشخاص على تقليل حدة الأعراض تدريجيًا، وزيادة الاستقرار الانفعالي، وتحسين القدرة على الحفاظ على علاقات أكثر توازنًا مع مرور الوقت، مع الوضع في الحسبان أن التحسن يحدث بشكل تدريجي وعلى فترات زمنية ممتدة، ويرتبط بالاستمرارية في العلاج والالتزام به، وليس بالحلول السريعة.


إذا كان شريكك يعاني من اضطراب الشخصية الحدّية، من المهم أن تدرك أنك لست مسؤولًا عن إصلاح هذه الديناميكية بمفردك،فالعلاقة مع شخص يعاني من اضطراب الشخصية الحدّية قد تكون مرهقة عاطفيًا في بعض الأحيان. والأنماط الانفعالية معقدة داخل العلاقة، تتطلب تدخلاً علاجيًا متخصصًا ، وليس الاعتماد على دعم الشريك فقط، وقد يكون العلاج الزوجي مفيدًا في بعض الحالات، إلا أن فعاليته تزداد عادةً عند دمجه مع علاج فردي مستمر للشخص المصاب.


لكن يمكنك في هذه الحالة أن تساعد عن طريق:

* تفهّم طبيعة الدورات الانفعالية داخل العلاقة

* وضع حدود واضحة تحمي صحتك النفسية

* تشجيع شريكك على البدء في العلاج أو الاستمرار فيه

* الالتفات إلى احتياجاتك النفسية ولا تهملها


من المهم أن تدرك أن شعورك بالإرهاق أو التأثر العاطفي أمر مفهوم في ظل تعقيد هذه الديناميكيات، وأن طلب الدعم النفسي أو التحدث إلى شخص موثوق أو الانضمام إلى مجموعة دعم يمكن أن يكون وسيلة مساعدة لك على الحفاظ على توازنك النفسي والتعامل بشكل أكثر فاعلية داخل العلاقة.


في النهاية، نحن بحاجة إلى أن نتذكر بأن خلف كل سلوك اندفاعي أو انسحاب مفاجئ، يكمن قلب يتألم ويحاول النجاة، وأن اضطراب الشخصية الحدّية في العلاقات ليس حكمًا مؤبدًا بالفشل، بل هو تحدٍّ يتطلب بصيرة وصبرًا عميقين، ومساعدة متخصصة ودعمًا نفسيًا مستمرًا لكلا الطرفين.

المصادر:

Linehan, M. M. (2015). Cognitive-Behavioral Treatment of Borderline Personality Disorder. Guilford Press.

Gunderson, J. G. (2008). Borderline Personality Disorder. American Psychiatric Publishing.

Zanarini, M. C., et al. (2004–2010). Longitudinal studies on borderline personality disorder course and interpersonal functioning.

American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.).