جرح التعلّق: حين يختبر القلب أول خساراته

كتابة: أ. ندى رأفت تحرير: د. مروه عزت

في عمق كل إنسان، هناك حكاية لم تُكتب بالكلمات، لكنها منقوشة في الذاكرة الأولى، حين كان يبحث عن عينٍ تُبصره وقلبٍ يحتويه. في تلك اللحظات المبكرة يتكوّن ما يسميه عالم النفس البريطاني جون بولبي "نظام التعلّق"، الرابط العاطفي الذي يشكّل أساس شعورنا بالأمان والثقة في العالم.

يرى بولبي أن الطفل لا يسعى فقط إلى الغذاء أو الحماية، بل إلى الأمان العاطفي، ذلك الذي ينبع من حضور راعٍ متّسق ومتفهّم. فعندما يستجيب مقدّم الرعاية لحاجات الطفل بثبات ودفء، تتكوّن داخله خريطة نفسية تقول: "أنا أستحق الحب، والعالم يمكن الاعتماد عليه." لكن حين يغيب هذا الاتساق، عندما يُقابَل الاحتياج بالصمت أو التجاهل أو التقلب، تتكوّن أولى خسارات التعلّق.

وهنا يظهر ما يُعرف بـ جرح التعلّق (Attachment Trauma): صدمة نفسية لا تنبع من حدثٍ واحد، بل من غياب الاستجابة المستمرة لما يحتاجه الطفل أكثر، إحساس الأمان.


ملامح الجرح الخفي

جرح التعلّق لا يترك كدمات على الجسد، بل آثار في طريقة الحب، في الخوف من الفقد، وفي صعوبة الثقة أو التقرّب، فما لم يُشبع في الطفولة، يظل يبحث عن إشباعه في الكبر. وهكذا، يتكوّن ما وصفه بولبي لاحقًا بـ أنماط التعلّق، وهي أربع صور أساسية تحدد كيف نرتبط بالآخرين:

  1. التعلّق الآمن: ينشأ عن رعاية متّسقة، حيث يشعر الفرد بأن القرب آمن، وأن الخلاف لا يعني الرفض.
  2. التعلّق القلِق: يعيش صاحبه في خوفٍ دائم من الهجر، يبحث عن الاطمئنان في كل إشارة، ويخشى أن يُترك فجأة.
  3. التعلّق المتجنّب: يرفض القرب المفرط، ويفضّل المسافة، لأنه تعلّم أن الاعتماد على الآخرين مؤلم أو غير ممكن.
  4. التعلّق المُرتبك (الخائف-المتجنّب): يحمل تناقضًا مؤلمًا؛ يشتاق إلى الحب لكنه يخافه، يقترب ثم ينسحب كمن يحتمي من دفءٍ يخشاه.

هذه الأنماط ليست صفات جامدة، بل استراتيجيات للبقاء يتعلّمها الطفل ليتكيّف مع بيئة لم تكن دائمًا آمنة، لكنها حين تستمر في النمودون وعي، تُعيد تمثيل نفس الألم القديم في العلاقات الجديدة.

أنماط التعلق كما وصفها جون بولبي

عندما تعيد العلاقات تمثيل الجرح

العلاقات في حياة البالغين ليست مجرد صدفة عاطفية؛ إنها مسرحٌ يعيد فيه اللاوعي تمثيل القصص القديمة. من لم يُستجب له يومًا، سيبحث — دون وعي — عن شركاء يعيدون سيناريو التجاهل ذاته، لا لأنه يحب المعاناة، بل لأن النفس تسعى، في عمقها، إلى إعادة كتابة الجرح بنهايةٍ مختلفة.

تلك العملية التي سماها بولبي "النماذج العاملة الداخلية" توضّح كيف يحمل الإنسان صورًا داخلية عن ذاته والآخر والعلاقة بينهما. فمن يرى نفسه غير مستحق للحب، سيفسّر أي مسافة في العلاقة كرفض، وأي خلاف كهجر.

هكذا يعيش الفرد في دائرة مغلقة من الخوف والاحتياج والانسحاب، دون أن يدرك أن ما يتألم منه اليوم هو صدى لبكاءٍ قديم لم يُسمع بعد.

التمثيل السينمائي للجرح Will Hunting

في فيلم  (Good Will Hunting) نرى هذه الفكرة مجسّدة بعمق إنساني مذهل. "ويل"  شاب عبقري يعمل كعامل نظافة في الجامعة، يمتلك ذكاءً خارقًا وقدرة تحليلية نادرة، لكنه يعيش في عزلة وجدانية قاسية. خلف عبقريته يقبع جرح تعلّق عميق: نشأ في بيئة عنيفة ومهمِلة، لا يعرف كيف يتعامل مع الحب، ولا كيف يثق بالآخرين، ولا يرى نفسه مستحقًا للرعاية.

كلما اقترب أحد منه، ينسحب أو يهاجم — تمامًا كما يفعل أصحاب التعلّق المتجنّب أو الخائف-المتجنّب. حتى علاقاته العاطفية تتحطّم حين تقترب من كشف ضعفه. إنه يعيش بعقلٍ لامعٍ وقلبٍ محاصر.

التحوّل الحقيقي يبدأ حين يلتقي بمعالجه النفسي "شون" (Robin Williams)، فمن خلال علاقة تتّسم بالثبات والصدق والرحمة، تبدأ عملية الشفاء التي وصفها بولبي بـ العلاقة التصحيحية (Corrective Emotional Experience) — حيث يختبر الفرد للمرة الأولى شعور الأمان في علاقةٍ لا تحكمها الخوف أو السيطرة.

في أحد المشاهد المفصلية، يقول شون لـويل: "It’s not your fault" "إنه ليس ذنبك" تُقال الجملة مرارًا حتى تنهار دفاعاته. في تلك اللحظة، لا ينهار الشاب العبقري، بل الطفل الجريح داخله. الدموع التي سالت لم تكن انفعالًا دراميًا، بل استجابةً عصبية للطمأنينة — اللحظة التي صدّق فيها أن الألم يمكن أن يُرى دون أن يُدان.

مشهد مستوحى من فيلم “Good Will Hunting”، حين يقول المعالج للفتى أنه لم يكن خطأه.


من جرح التعلّق إلى الأمان الداخلي

هذا المشهد ليس مجرد لحظة علاجية في فيلم؛ إنه تجسيدٌ لما يحدث فعليًا في مسار التعافي النفسي. حين يُعاد خلق بيئة آمنة ومتّسقة، يتعلّم الدماغ من جديد أن القرب لا يعني الخطر، وأن التعبير عن الألم لا يعني الرفض. وهكذا تبدأ رحلة إعادة التعلّق — لا بالآخر فقط، بل بالذات التي كانت منسية.

يصف المعالجون هذه التجربة بأنها لحظة "إعادة البرمجة العصبية للأمان".

تتحوّل العلاقات من ساحاتٍ لإعادة تمثيل الألم، إلى مساحاتٍ لاختبار الطمأنينة، ويتحوّل السؤال من "لماذا لم يحبّوني كما أستحق؟" إلى "كيف يمكنني أن أكون الآن حاضرًا لذاتي كما لم يكونوا؟"

يُعلّمنا فيلم Good Will Hunting,كما تُعلّمنا نظرية بولبي، أن العبقرية لا تشفي الجرح إن لم يُرعَ القلب، وأن الشجاعة الحقيقية ليست في التفوق أو السيطرة، بل في السماح للحب بأن يقترب من أكثر مواضعنا ألمًا. فجرح التعلّق ليس لعنة، بل دعوة للوعي. إنه نداء الطفولة في داخلنا، تطلب أن تُرى، وتُفهم، وتُحضن دون شروط.

وعندما نستجيب لذلك النداء، نتحرّر من إعادة تمثيل الخسارة، ونبدأ في كتابة حكايتنا الجديدة: حكاية إنسانٍ وجد أخيرًا طريق العودة إلى ذاته.