الحب، كلمة من حرفين تحتضن بينهما معانٍ لا نهائية، لأنه ليس شعوراً موحداً بين كل البشر، بل هو تجربة إنسانية شديدة التعقيد والتفرد، فلهُ صور تتشكل داخل كل نفس وفقًا لاحتياجاتها وذكرياتها وما خبرته عواطفها على مر الحياة. لذلك حين تُذكر كلمة "الحب" لن تجد صداها متماثلًا في كل النفوس، فقد تثير ابتسامة دافئة في وجه أحدهم، بينما تُخرج تنهيدة ثقيلة من صدر آخر، وقد تُشعل الحنين في قلبٍ ما، بينما تُوقظ ألمًا قديمًا في غيره.
ذاتية الحب وتعدد مفاهيمه
الحب ليس مفهومًا واحدًا بقدر ما هو مرآة داخلية تعكس ما ينقصنا، فكل إنسان يميل إلى تعريف الحب بالطريقة التي تلبي احتياجه النفسي العميق. فتجد من يرى الحب أمانًا لأنه عاش مضطرباً يفتقد الأمان، ومن يراه رحمة لأنه ذاق القسوة، ومن يراه تفاهمًا لأنه عانى العزلة الفكرية، ومن يراه مساندة لأنه خَبِر السقوط وَحدَه. وكأن الحب، في كثير من الأحيان، ليس مجرد عاطفة نتوجه بها إلى الآخر، بل محاولة داخلية لإعادة ترتيب الفوضى في أنفسنا.
وهنا تظهر ذاتية الحب بوصفها حقيقة لا يمكن تجاهلها: نحن لا نحب الأشخاص فقط، بل نحب فيهم ما نحتاجه، وما نتوق إليه، وما نعتقد أنه سيعيد إلينا اكتمالًا نفتقده.

الحب بين الحقيقة والوهم
من أخطر ما يواجه تجربة الحب أن الإنسان قد لا يحب الآخر كما هو، بل يحب "الصورة" التي رسمها عنه، وهذا ما يفسر كثيرًا من الانهيارات العاطفية التي تحدث بعد البدايات المبهرة. البدايات غالبًا ما لا تكشف الحقيقة، بل تفتح مساحة خصبة للإسقاطات النفسية؛ نضع أحلامنا وأمانينا على الطرف الآخر دون أن ندرك أننا لا نراه بوضوح، بل نراه كما نريد أن يكون.
في علم النفس، يُشار إلى هذه الحالة أحيانًا بمفهوم "المثالية" أو Idealization، حيث يُرى المحبوب كاملًا بلا نقص، وتُتَجَاهل إشارات الواقع التي لا تتناسب مع الصورة الحالمة. لكن الحب الحقيقي لا يُختبر في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاختلاف، وفي الصدمات الصغيرة التي تُظهر معدن الإنسان وعمق استعداده للبقاء.
يشبه الأمر من يزعم حبه للبحر لأنه رآه في صباحٍ هادئ، بلونٍ صافٍ وهواءٍ عليل. لكنه لم يختبر البحر حين تثور أمواجه، ولم يذق معنى الغرق أو الخوف أو العجز، لذلك لا يمكن لمن لم يختبر العمق أن يدّعي المعرفة، ولا لمن لم يواجه الواقع أن يصدق أن مشاعره حقيقة ثابتة.
الحب ليس شغف البدايات، بل القدرة على رؤية الحقيقة الكاملة، ثم اختيار البقاء رغم إدراك النقص الإنساني الطبيعي.
بين الحب والمرض:
تشبّعنا من ثقافتنا بمفاهيم عن الحب أقرب للمرض منها للحب، فتم الخلط بين الحب والتعلق، وبينه وبين الامتلاك، وأيضًا الخوف. والحقيقة أن التعلق ليس حبًا بالضرورة، بل قد يكون خوفًا من الوحدة أو فقدان الأمان، وقد يكون محاولة للسيطرة على الآخر تحت اسم "الاهتمام".
تفسر نظرية التعلق (Attachment Theory) التي أسسها جون بولبي John Bowlby وطورتها ماري اينسورث Mary Ainsworth كيف أن أنماط ارتباط الإنسان في طفولته تنعكس لاحقًا على علاقاته العاطفية. فالشخص القلق في تعلقه قد يفسّر الحب بأنه احتياج دائم للطمأنة، وقد يخلط بين الحب والخوف من الهجر. بينما الشخص المتجنب قد يرى الحب تهديدًا لاستقلاله، فيقترب حينًا ويهرب حينًا.
كما أن بعض العلاقات تُبنى على وهم أن الحب يعني التضحية المستمرة بلا حدود، أو أن الحب يعني تحمل الأذى والصمت عليه. لكن الحب الذي يقتل كرامة الإنسان ليس حبًا، بل استنزاف. والحب الذي يجعل الإنسان يختفي ليُرضي الآخر ليس حبًا، بل فقدان للذات.
ومن المفاهيم المغلوطة أيضًا اعتبار الغيرة المفرطة دليلًا على الحب، أو اعتبار الألم شرطًا لإثباته. بينما في الواقع، الحب الصحي هو الذي يمنح الإنسان شعورًا بالاتساع، لا بالاختناق.
المعادلة النفسية للحب
يقدم عالم النفس روبرت ستيرنبرغ Robert Sternberg نموذجًا شهيرًا يُعرف بـ "النظرية المثلثة للحب" (Triangular Theory of Love)، ويرى فيها أن الحب يتكون من ثلاثة عناصر أساسية:
• الأُلفة (Intimacy): القرب النفسي والدفء والثقة.
• الشغف (Passion): الانجذاب والحماس والرغبة.
• الالتزام (Commitment): قرار الاستمرار والاستقرار.
وتكمن أهمية هذه النظرية في أنها تميز بين أنواع متعددة من الحب، فالحب الذي يقوم على الشغف وحده قد يكون سريع الاشتعال وسريع الانطفاء، بينما الحب الذي يقوم على الالتزام وحده قد يتحول إلى علاقة جافة بلا حياة. أما الحب الناضج فهو الذي يوازن بين الألفة والشغف والالتزام، لأن الإنسان لا يحتاج فقط إلى الانجذاب، بل يحتاج إلى المعنى، والاحتواء، والاستمرارية. وهنا نفهم لماذا لا تصمد بعض العلاقات رغم قوتها العاطفية في البداية، لأنها افتقدت البناء الكامل، وارتكزت على أحد عناصره فقط.
الحب فعل أم إرادة؟
الحب ليس عاطفة مجردة من العقل، بل هو معرفة وإرادة واختيار. هو أن ترى الآخر بوضوح، بضعفه ونقصه وتاريخه، ثم تختار القرب لا لأنك مخدوع بالصورة، بل لأنك واعٍ بالحقيقة. فالحب الذي يعتمد فقط على الشعور سيضعف حين تتغير الظروف، لكن الحب الذي يقوم على الإرادة سيصمد حين تهدأ المشاعر.
العاطفة قد تكون شرارة البداية، لكن الإرادة هي نار الاستمرار. والحب ليس مجرد انفعال، بل فعل واعٍ يتجدد كل يوم، فعل احترام، واحتواء، وصبر، وغفران، ونضج. الحب ليس وعدًا بالسعادة الدائمة، بل اتفاق ضمني على مواجهة الحياة معًا دون إنكار واقعها. ومن هنا يصبح الحب قوة ونضجًا، لا اندفاعًا. يصبح حضورًا لا تعلقًا، يصبح فعلًا يبني الإنسان بدل أن يستهلكه.
ختامًا، فإن الحب تجربة ذاتية بقدر ما هو حقيقة إنسانية مشتركة. قد يبدأ كإحساس، لكنه لا يكتمل إلا حين يصبح معرفة واختيارًا وإرادة. الحب ليس وهم الكمال، بل قبول النقص الإنساني دون أن يتحول إلى استسلام للأذى. والحب ليس امتلاكًا ولا خوفًا، بل قدرة على الالتقاء في منتصف الطريق، حيث يلتقي العقل بالقلب، وتلتقي الرغبة بالوعي، ويصبح الحب فعلًا يضيف للحياة معنى لا مجرد لحظة عابرة.
المصادر
• Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss: Vol. 1. Attachment.
• Ainsworth, M. D. S. (1978). Patterns of Attachment.
• Sternberg, R. J. (1986). “A Triangular Theory of Love.” Psychological Review.
• Hazan, C., & Shaver, P. (1987). “Romantic Love Conceptualized as an Attachment Process.” Journal of Personality and Social Psychology.
• Aron, A., et al. (1997). “The Experimental Generation of Interpersonal Closeness.” Personality and Social Psychology Bulletin.