أسير الماضي: كواليس كرب ما بعد الصدمة

كتابة: أ. ندى رأفت تحرير: د. مروه عزت

في ليلة ممطرة، كان "أحمد" يقود سيارته عائداً إلى بيته، وفي لحظة ومن حيث لا يدري، انحرفت شاحنة ضخمة نحو مساره. انتهى المشهد بصوت تحطم مروع، وظلام تام. مرت الأشهر، وتعافى أحمد جسدياً من جروحه، وعاد إلى مكتبه، وتخيل كل من حوله أن الحكاية انتهت بسلام هنا. لكن في صباح أحد الأيام المشمسة، وبينما كان يجلس في مكتبه يشرب قهوته بهدوء، سمع صوت كبح مفاجئ لسيارة في الشارع، وفي أجزاء من الثانية، سقط الكوب من يده، وتسارعت دقات قلبه كأنه يركض في سباق، واجتاحه عرق بارد و شعور خانق بالخوف.

لا تسير الحياة  دائماً كما نخطط، فبينما ننشغل بتفاصيل أيامنا العادية، قد نرتطم فجأة بحدث قاسٍ يزلزل أركان عالمنا الصغير، صدمة ما، تنتهي في الواقع وتمر عليها الأيام، لكن داخل العقل، تبدأ قصة أخرى تماماً. يلتفت "أحمد" حوله ليجد أن الجميع واصلوا حياتهم وتجاوزوا الأمر، بينما هو لا يزال عالقاً هناك، في تلك اللحظة تحديداً. هذا الغياب عن الحاضر والوقوع في أسر الماضي هو ما نسميه "اضطراب كرب ما بعد الصدمة". الأمر لا يتعلق أبداً بضعف الشخصية أو قلة الحيلة، بل هو استجابة طبيعية جداً من عقل مجهد تعرّض لما يفوق طاقته البشرية، تماماً كجهاز كهربائي احترق بسبب تيار شديد الارتفاع.

عرض مستمر

في الأحوال العادية، يمتلك عقلك قدرة مذهلة على ترتيب الذكريات؛ فيضع الأحداث الحزينة في درج الماضي، لتتذكرها دون قلق. لكن بعد الصدمات الكبيرة، يتعطل هذا النظام تماماً، لتصبح الذكرى المؤلمة مثل فيلم سينمائي يُعرض في أي وقت وبأعلى دقة، وكأن الزمن قد تجمد عند الحادث.

قد يجد "أحمد" نفسه مستيقظاً في منتصف الليل بسبب كابوس يعيد تفاصيل الحدث بكامل مشاعره، أو يمر في الشارع فيسمع صوتاً عادياً يشبه صوت الصدمة، فينفصل عن واقعه الحالي تماماً ويعود بالزمن إلى الخلف. في تلك الثواني، هو لا يتذكر ما حدث، بل يشعر أنه هناك مجدداً، يعيش الصدمة من جديد، بكامل تفاصيلها المرعبة، رغم أنه مستلق على سريره أو يعبر شارعًا آمنًا.

الكوابيس حول الحادث هي أحد أعراض اضطراب كرب ما بعد الصدمة

الهروب الكبير وخندق الدفاع

لكي يحمي "أحمد" نفسه من هذا الألم المتكرر، يبدأ في بناء جدران عازلة حول حياته، فيتجنب الشوارع، والأشخاص، الأحاديث، وحتى الأفكار التي قد تفتح هذا الجرح من جديد، فمكان الحادث اصبح محظوراً تماماً وكأنه بقعة مخيفة في حد ذاتها، وأخبار حوادث السيارات تثير نفوره. يظن "أحمد" في البداية أن هذا الهروب هو طوق النجاة الذي سيحميه، لكن المفارقة الحزينة هي أن هذه الجدران تضيق بمرور الوقت، ليجد نفسه في النهاية معزولاً في مساحة صغيرة جداً من الحياة، سجيناً داخل خوفه، ومحروماً من أبسط حقوقه في الحركة والتواصل الطبيعي مع العالم.

على الجهة الأخري، يعيش جسد "أحمد" في حالة استنفار دائم، كأنه نظام إنذار معطل يطلق صفارته المدوية دون وجود خطر حقيقي، أو كجندي يقف وسط حقل ألغام ينتظر انفجاراً في أي ثانية. هذا التوتر الدائم يجعل "أحمد" سريع الفزع من أقل حركة، سريع الغضب والانفعال على أسباب قد تبدو تافهة للآخرين، ويفقد قدرته على التركيز والنوم. إنه يعيش داخلياً تحت تهديد فكرة أن "الخطر القادم قد يحدث الآن"، فلا ينبغي له أن يسترخي، أو يضع سلاحه، أو يغمض عينيه، مما يترك جسده وروحه في حالة إنهاك مستمر لا ينتهي.

خلف لوح زجاجي

الصدمة لا تؤذي الجسد فقط، بل تكسر الإحساس بالأمان وتغيّر نظرة الشخص لنفسه وللعالم. فجأة، ينهار شعور الطمأنينة، ويرى "أحمد" العالم كمكان غادر وغير آمن بالمرة، ويفقد ثقته في الغد. والأسوأ من ذلك كله، هو ذلك الصوت الداخلي القاسي الذي يبدأ في لوم الذات: "لو أنني تصرفت بشكل مختلف"، "لو أنني انتبهت للطريق أكثر!". هذا العبء العاطفي المتمثل في الشعور بالذنب، يحرم "أحمد" من عيش مشاعر الفرح أو الحب، ويجعله يشعر بجفاف عاطفي تام وانفصال عن المقربين منه، وكأنه يراقب تفاصيل حياته وعائلته من خلف لوح زجاجي سميك؛ يراهم ويسمعهم، ولكنه لا يملك القدرة على أن يلمسهم بمشاعره.

الشعور بالذنب بعد الحادث قد يؤدي إلى الانفصال عن الواقع

كيف يبدأ طريق العودة

الشفاء من كرب ما بعد الصدمة لا يعني إسقاط الحدث من التاريخ أو نسيانه تماماً، لكن الشفاء الحقيقي يعني أن يكتب "أحمد" نهاية هذا الفيلم بأمان، وألا تصبح الذكرى متحكمة في الحاضر.

الخطوة الأولى والأهم تبدأ من المساعدة النفسية المتخصصة؛ حيث يعمل المعالج كدليل آمن يمسك بيد "أحمد" ليعود إلى تلك الغرفة المظلمة في عقله، ليس لإعادة المعاناة، بل لإعادة ترتيب تفاصيل الصدمة، وتفريغ الشحنة المرعبة المرتبطة بها، ومساعدة الدماغ على تحويل الفيلم الحي المرعب إلى مجرد قصة قديمة حدثت في الماضي وانتهت. وفي كثير من الأحيان، يكون العلاج الدوائي سنداً مؤقتاً وضرورياً جداً؛ فهو يعمل كمهدئ لعاصفة الجسد المستعرة، ويمنح "أحمد" قسطاً من السكينة والتقاط الأنفاس لكي يمتلك الطاقة للتعافي.

إذا كان في حياتك شخص يعاني من هذا الكرب، تذكر دائماً أن الأمان هو البيئة التي ينمو فيها الشفاء، فلا تطالبه بتجاوز الأمر بكلام حماسي، فلو كان قادراً على ذلك لما تأخر لحظة. اجعل حضورك هادئاً ومطمئناً في حياته، تقبّل صمته وخوفه، وأكد له دائماً -بوجودك- أن الخطر القديم قد انتهى، وأن هناك دائماً طريق آمن للعودة إلى الحياة، مهما بدت الندوب عميقة ومهما طال الظلام.


المصادر:


1- UNDERSTANDING POST-TRAUMATIC STRESS: A normal reaction to abnormal events (Adapted from a document from The Centre for Anxiety Disorders and Trauma in London)

2- Intrusive re–experiencing in post-traumatic stress disorder: Phenomenology, theory and therapy. Anke Ehlers, Ann Hackmann and Tanja Michael.